ححیدریه نجف‌اشرف ابوالحسن

مدرسة النجف العرفانية: أصالة الشريعة ونهج التربية الروحية

منتشرشده در پنجشنبه، ۷ آبان ۱۴۰۵

مدرسة النجف العرفانية: أصالة الشريعة ونهج التربية الروحية

مدرسة النجف العرفانية: أصالة الشريعة ونهج التربية تُعدّ مدرسة النجف العرفانية من أهم تيارات العرفان الشيعي، وقد تميّزت عبر تاريخها بخصيصتين بارزتين: الالتزام ال…

مدرسة النجف العرفانية: أصالة الشريعة ونهج التربية

تُعدّ مدرسة النجف العرفانية من أهم تيارات العرفان الشيعي، وقد تميّزت عبر تاريخها بخصيصتين بارزتين: الالتزام الصارم بالشريعة والتربية العملية للسالکین على يد أساتذة جامعین بين الفقاهة والعرفان. وقد ساهمت هذه المدرسة في تخریج أجيال من العرفاء الذين لم ینفصل سلوكهم الباطني عن تكالیفهم الشرعیة الظاهرة.

الجذور التاریخیة: من سید حیدر الآملي إلى مدرسة النجف

یرتبط التأسيس النظري للعرفان الشیعي في النجف باسم السید حیدر الآملي (ت 787هـ). وقد ذکر هو نفسه في مقدمة تفسیره «المحیط الأعظم» أنه بعد رحلة علمیة طويلة، استقر في النجف مجاوراً مرقد الإمام علي بن أبي طالب علیه السلام، وتتلمذ على ید عارف مغمور اسمه عبد الرحمن القدسي، فقرأ علیه «منازل السائرین» و«فصوص الحکم» ورسائل أخرى. ویقول إن برکة هذه المجاورة فتحت علی قلبه أبواب المعارف، فصنّف نحو عشرین کتاباً في أربع وعشرین سنة. ویشیر الباحث عبد الجبار الرفاعي إلى أن «محاولة الآملي تُعتبر أول محاولة لترسیخ المنحى التأویلي في التراث الإمامي»، وأن النصف الثاني من القرن الثامن الهجري شهد ازدهاراً جدیداً في مدرسة النجف بفضل هذا العارف.

الرسالة السلوکیة: «السیر والسلوك» المنسوبة إلى بحر العلوم

من أهم النصوص العملیة في هذا المدرسة الرسالة المنسوبة إلى السید محمد مهدي بحر العلوم (ت 1212هـ) والمعروفة بـ«السیر والسلوك». وقد حظیت هذه الرسالة بتقدیر کبیر من کبار العرفاء؛ فقد نقل العلامة الطهراني عن السید علي القاضي قوله: «کتابٌ بدین پاکیزگی و پرمطلبی در عرفان نوشته نشده است». وتحتوي الرسالة على خمسة وعشرین دستوراً سلوکیاً، منها: ترک العادات والرسوم، العزم القاطع، الرفق والمداراة، الوفاء، الثبات والدوام، المراقبة، المحاسبة، المؤاخذة، المسارعة، الأدب، النیة، الصمت، الجوع، الخلوة، السهر، دوام الطهارة، التضرع، مخالفة النفس، کتمان السر، وجود المربی، الورد، نفي الخواطر، الفکر، والذکر. وتتمیز هذه الرسالة بمنهجها العملي المباشر الذي یجمع بین الدقة النظریة والبساطة التربویة.

سلسلة الأساتذة: من الشوشتري إلى القاضي

بعد بحر العلوم، برز السید علي الشوشتري (ت 1305هـ) الذي کان الشیخ الأنصاري یحثّ تلامیذه على حضور دروسه الأخلاقیة ویشجعهم علیها. وکانت علاقة الشوشتري بالشیخ الأنصاري من العلاقات النادرة التي کان فیها کل منهما أستاذاً وتلمیذاً للآخر في آنٍ واحد. وأبرز خریجي مدرسته هو الشیخ ملا حسینقلي الهمداني (ت 1311هـ)، الذي تفرّغ للتربیة السلوکیة ووسّع نطاق مدرسة أستاذه، فجمع بین الفقه والأصول والأخلاق والعرفان، وربّى کوکبة من العلماء الربانیین. ومن أبرز من تتلمذ على الهمداني أو تأثر بمنهجه: السید أحمد الکربلائي، السید مرتضى الکشمیري، المیرزا جواد الملکي التبریزي، السید علي القاضي وغیرهم. وقد وصلت هذه السلسلة إلى ذروتها التربویة مع السید علي القاضي (ت 1366هـ) الذي کان له عنایة خاصة بتلمیذه السید هاشم الحداد، حتى کان یقول له أحیاناً: «امشِ اللیلة وأخلِ الحجرة، فأنا أرید أن أبیت فیها حتى الصباح».

خصائص المنهج النجفي

یتمیز هذا المنهج بخصیصتین رئیسیتین: أولاً، عدم الانفصال عن الفقه والأصول، فجمیع أساتذته کانوا فقهاء مجتهدین قبل أن یکونوا عارفین. ثانیاً، الاعتماد على التربیة المباشرة والصحبة الطویلة بدل الاقتصار على الکتب؛ فقد لازم تلامیذ الهمداني أستاذهم أربع عشرة سنة، وهو ما یدل على أن العرفان في النجف کان یُنتقل بالسلوک والمشاهدة لا بالدرس النظري وحده.